عندما نَظَرَت إليه هذه المرة ، تلاقت عيناهما دون انتظار أورغبة منهما .. ولكنها استطاعت أن تلمح في عينيه ذلك العطف والحزن المشوب بالقلق والذي كانت تتوقع أن تقرأهما في تلك العينين منذ أكثر من أسبوعين.. ولكنها لم تلحظهما من قبل ..أما الآن فقد استطاعت أن ترى تلك المشاعرالقوية والتي حملها ذلك اللقاء بين عينيهما لفترة لاتتجاوز الثانية .. تلك النظرة العفوية كان لها من التأثيرالسلبي مايفوق التأثير الإيجابي لمئات من عبارات التطمين وبث الأمل التي سمعتها من صاحب العينين ..
كيف استطاع أن يخفي مشاعره القلقة طوال الفترة الماضية؟ وكيف نجح أحياناً بإقناعي بأنه سيأتي اليوم الذي نبتسم فيه عندما نذكر مانمر به الآن ؟؟؟ وأين مشاعره التي صرّح لي أنها لاتكذب وأنها تخبره بأن كل شيء سيمر على خير ؟؟؟؟ فاجأتني قدرتك ياعزيزى على إخفاء مابداخلك !!
"سلامتك" كلمة أيقظتها من أفكارها .. كانت الكلمة من سيدة تجلس بجوارها لم تشعر بوجودها إلا بعد استماعها لكلمتها ، فهي لم تكن عندما أخذت مكانها هنا وإلا لما جلست بجوارها أو بجوار أحد..
"الله يسلمك" سمعت صوتها واستغربت قدرتها على استخدام الكلمات بنفس النبرة التي استخدمها كما اعتادت؟؟
ثم عادت سريعاً لتنذوي إلى نفسها محدثةً إياها.. ما أقدر الإنسان على إخفاء مابداخله وخاصة عن الغرباء رغم ماقد يجتاحه من طوفان من الألم والحزن والقلق ؟؟
"جاية تعملي تحاليل ؟؟"
واستمرت السيدة :"والله أنا عملت تحليل لعينة قبل هيك وقالوا لي فيك المرض العاطل بس قالوا اعملي كمان مرة علشان نتأكد وهيني عملت ."
آه .. هل يتوقع أحد أن أشعر رغم كل ما أنا فيه .. برثاء تجاه أحد ؟؟؟ أنا لم أكن أتوقع ذلك فقد كنت قبل لحظات أظن أنني استنفذت كل ما لدي من مشاعر ولم يعد هناك المزيد !!
ولكن ما حدث أنني أشعر بعطف شديد تجاه تلك السيدة كما أشعر بخجل غريب من نفسي .. قد يكون لأنني اعتقدت خلال فترة الأسبوعين الماضيين بأنني صاحبة أكبر مأساة في العالم !! السيدة رغم مابها فهي بادرت للحديث معي وتمنت لي السلامة .. وأنا أجبتها باقتضاب شديد ، رافضة لأحد غريب أن يؤرق وحدتي وأحزاني .. !
"إن شاء الله خير " أجبتها بابتسامة ونجحت بصعوبة في التغلب على دموعي
" إن شاء الله" قالتها وهي تتنهد معلنة يأسها من ذلك .
نظرت إلى ساعتها للمرة العشرون خلال الربع ساعة التي انتظرتها ..
هل يمكن لأحد أن يقنعني بأن تلك الثواني البطيئة هي نفسها التي تكونت منها سنوات عمري ؟؟.. عمري الذي أراه الآن أمامي صورةً باهتةً أمام صورة شديدة الوضوح للحظات أعيشها الآن في هذا المكان الغريب ؟ ؟؟ كم أشعر ببطء تلك اللحظات فبطئها يتزامن مع سرعة دقات قلبي وكأن علاقة عكسية نشأت بينهما هذه اللحظات .
خرج شاب يرتدي لباساً أبيضاً من غرفة قريبة يحمل بيديه أوراقاً تنتظر مثلها ، ونادى على إسم استطاعت أن تميز بأنها ليست صاحبته، بل كان لرجل يجلس على كرسي منفرد، لاحظته منذ أن جلست بسبب دخان سيجارته .. أسرع الرجل بالوقوف فور الاستماع إلى اسمه وأصغى للشاب وهو يقول له .. "راجع دكتورك" سأل الرجل : "ايش النتيجة" أعاد الشاب جملته بنفس الكلمات ولكن بصوت أكثر ارتفعاً .. رمى الرجل سيجارته على الأرض ولم تكن قد انتهت بعد وأمسك أوراقه وغاب.
غاب الرجل كما قد أغيب ويغيب كل شيء.. قالت لنفسها.
يالله ..هل يتحتم علينا أن نذهب لهد ذلك إلى الطبيب لكي نعرف النتيجة وهل سيكون لي القدرة على السير من هنا وأنا أحمل أوراقي بيدي ؟؟؟
آه يازوجي العزيز .. أراه يتابع مايحدث بين الشاب والرجل كما رأيته دائماً يتابع مايحدث من حوله بفتور أحياناً وباهتمام مبرر أو غير مبرر أحياناً أخرى .. كم مساحات الزمن التي أضعناها في جدل ونقاش على أمور حياتية تنتهي بمجرد الانتهاء من الجدل فيها ؟؟ وأحياناً يأخذ وقت الجدل عليها زمناً أكبر مماتأخده تلك الأمور من وقتنا ؟؟
ليتني شعرت بمدى تفاهة الأمور التي تحزننا وتغضبنا وتعكر صفو حياتنا قبل اليوم ؟؟ ليتني عرفت أن كل لحظة تمر دون مرض أو مآساة .. لحظات يجدر بنا أن نحياها بكل جوارحنا .. ليتني شعرت قبل ذلك بروعة حياتي قبل اليوم رغم الشوائب التي لو أتيحت لي الفرصة للعودة لها فلا يمكن أن أترك لها حيزاً للوجود.
يالله …. يالله …. كيف سأخرج من هنا وهل أستطيع أن أتحمل نتيجة سلبية ؟؟ وكيف يمكن أن أتعايش معها ؟؟؟ هل ستتفاعل معي وتصبح جزءاً مني كما هي الاحزان دائماً ؟؟ ولكن كيف أستطيع أن أنسى أو أتناسى إلى ماذا تفضي ؟؟
نظرت هذه المرة متعمدة إلى حيث زوجها وحاولت أن تحدد لقاء مع عينيه وكان لها اللقاء .. ابتسم لها كما فعل دائماً أمام كل ما كان يصيبهم في مشوار حياتهم .. وهز رأسه لها مشجعاً .. ومطمئناً..
كم شعرت برغبة شديدة للاعتذار له على كل ماقد تكون سببته له من حزن أو ألم و ماقد يكون قد أصابه يوماً من أذى لم تسهم في منعه عنه أو تخفيفه عنه …
……. إنه اسمها .. نعم فقد سمعته بصوت فتاة تخرج من الغرفة نفسها ..
رأت زوجها يسرع بسرعة دقات قلبها التي تجاوزت الحد المسموح لها لتبقى دقات قلب … " النتيجة نيجاتيف.. الحمد لله "
شكراً ..شكراً… قالها زوجها والتفت إليها قائلاً "الحمد لله على السلامة .. شفتي ايش قلت لك " ابتسمت له وتذكرت ماقرأته من قلق في عينيه رافضة التصريح له بذلك .. "الحمد لله..الحمدلله"
"حمد الله على سلامتك" قالتها السيدة التي لاتزال تجلس بجانبها .. نظرت إلى السيدة هذه المرة بكل حب قائلةً لها من كل قلبها : "عقبالك يارب " .
خرجا معا وهو يمسك يدها بقوة قائلاً : "وين تروحي هلئيت "
قالت له " في أي مكان تكون فيه"
قال ضاحكاً " "يبقى يالله نروح على البيت .. تأخرنا "
قالت : "إنت ماصدقت"
قال : "ما أنا سألتك وين ماقلتيش ".
قالت : " طب صمم على عرضك"
قال: "وانت خليك صريحة اذا حابه نروح مشوار "
قالت بحدة :" يعني انا مش صريحة ……
قبل أن تكمل نظرت إلى الورقة التي وضعها في السيارة بينهما وأمسكت بها وهي تقرأ نيجاتيف .. وابتسمت و… أكملت … يالله على البيت .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق